Kitab Nihayatuz Zain – Imam Nawawi al-Bantani

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الكتاب

الحمد لله الذي قوّى بدلائل دينه أركان الشريعة، وصحح بأحكامه فروع الملة الحنيفية، أحمده سبحانه على ما علم، وأشكره على ما أنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبـين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، القائل: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنشرح بها الصدور، وتهون بها الأمور، وتنكشف بها الستور، وسلم تسليماً كثيراً ما دامت الدهور.
أما بعد: فيقول العبد الفقير الراجي من ربه الخبـير، غفر الذنوب والتقصير: محمد نووي ابن عمر، التناري بلداً، الأشعري اعتقاداً، الشافعي مذهباً، هذا شرح على «قرة العين بمهمات الدين» للشيخ العلامة: زين الدين ابن الشيخ عبد العزيز ابن العلامة زين الدين بن علي بن أحمد المليباري الفناني، قصدت به نفع إخواني القاصرين مثلي، وسميته:
نهاية الزين
في إرشاد االمبتدئين
ولم يكن لي مما سطر في هذا الكتاب شيء، بل جميعه مأخوذ من عبارات المؤلفين، نفعنا الله بهم آمين، وغالب ما فيه من «نهاية الأمل» للشيخ العلامة محمد بن إبراهيم أبـي خضير الدمياطي فإنها عين غديقة، ومن «نهاية المحتاج، وتحفة المحتاج»للإكليلين محمد الرملي، وأحمد بن حجر؛ فإنهما عمدتان للمتأخرين من العلماء الشافعية، ومن «فتح الجواد والنهاية: شرح أبـي شجاع، ومن الحواشي»، فما كان فيه من صواب فمنسوب إلى هؤلاء وما كان من خطأ فمن ذهني الكليل ، فالمرجو ممن اطلع عليه أن يصلحه بلطف واحتياط، والله أسأل، وبنبـيه الكريم أتوسل، أن ينفع به كما نفع بأصوله، وأن يحله محل القبول، إنه أكرم مسؤول.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
أقسام الاسم تسعة: أوّلها: الاسم الواقع على الشيء بحسب ذاته كسائر الأعلام؛ نحو زيد فإنه ذات الشيء وحقيقته. ثانيها: الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزاء ذاته كالجوهر للجدار والجسم له. ثالثها: الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والأبـيض والحار والبارد. رابعها: الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية فقط كالمعلوم والمفهوم، والمذكور والمالك والمملوك. خامسها: الواقع على الشيء بحسب صفة سلبـية: كأعمى وفقير وسليم عن الآفات. سادسها: الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية: كعالم وقادر بناء على أن العلم والقدرة صفة حقيقية لها إضافة للمعلومات والمقدورات. سابعها: الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة سلبـية: كقادر لا يعجز، وعالم لا يجهل، وكواجب الوجود. ثامنها: الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية على صفة سلبـية كلفظة أوّل، فإنه عبارة عن كونه سابقاً غيره، وهو صفة إضافية، وأنه لا يسبقه غيره، وهو صفة سلبـية، وكالقيوم فإن معناه كونه قائماً بنفسه: أي لا يحتاج إلى غيره وهو سلب، ومقوّماً لغيره وهو إضافة. تاسعها: الواقع على الشيء بحسب مجموع صفة حقيقية وإضافية وسلبـية كالإله فإنه يدل على كونه موجوداً أزلياً واجب الوجود لذاته، وعلى الصفات السلبـية الدالة على التنزيه، وعلى الصفات الإضافية الدالة على الإيجاد والتكوين، والله علم على الذات الواجب الوجود: أي الذي لا يمكن عدمه لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال، ولم يوجد نفسه ولم يوجده غيره.
اسم الكتاب: نهاية الزين شرح قرة العين رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 3

قال البندنيجي: الاسم الأعظم هو الله عند أهل العلم، والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان من رحم بتنزيله منزلة اللازم بأن يبقى على صفته غير متعلق بالمفعول، فيقال: رحم الله: أي كثرت رحمته، أو بجعله لازماً بأن يحوّل من فعل بكسر العين إلى فعل بضمها، وقدّم الله على الرحمن الرحيم لأنه اسم ذات وهما اسما صفة، والذات مقدّمة على الصفة، وقدّم الرحمن على الرحيم لأنه خاص، إذ لا يقال لغير الله بخلاف الرحيم، والخاص مقدّم على العام ولأنه أبلغ من الرحيم، والأبلغية توجد تارة باعتبار العدد، ولهذا قيل: يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن، وتارة باعتبار الصفة، ولهذا قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.
(الحمد لله الذي هدانا لهذا) أي دلنا لهذا العمل (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) وهذه الجملة مستأنفة أو حال لكنها في معنى التعليل، وما نافية، وكان فعل ناقص، ونا اسمها، وخبرها محذوف متعلق للام الجحود الزائدة: أي ما كنا مراداً هدايتنا، وأن هدانا الله مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً، وجواب لولا محذوف دل عليه قوله ــــ وما كنا لنهتدي ــــ أي لولا هداية الله موجودة ما اهتدينا، والحمد اللفظي لغة: الثناء بآلة النطق لأجل الجميل الاختياري حقيقة أو حكماً مع قصد التعظيم ظاهراً وباطناً، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.
(والصلاة والسلام) أي الدعاء لله بالرحمة المقرونة بتعظيم، والدعاء لله بالتحية بالسلامة من الآفات (على سيدنا محمد رسول الله) رسالة عامّة للإنس والجنّ على وجه التكليف، ولغيرهم على وجه التشريف، وشرعه باق إلى يوم القيامة لا ينسخه شرع آخر لعدم وجوده بعده، ووقع نسخ بعض شرعه ببعضه، وهو أفضل المخلوقات جميعاً، ويليه سيدنا إبراهيم، ثم سيدنا موسى، ثم سيدنا عيسى، ثم سيدنا نوح، وهؤلاء أولو العزم، ثم بقية الرسل، ثم الأنبـياء غير الرسل، ثم الرؤساء الأربعة من الملائكة، وهم: جبريل، ثم مكيائيل ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم عوام البشر، والمراد بهم غير الأنبـياء من الأولياء: كأبـي بكر، وعمر وعثمان وعلي وأشباههم، ثم عوام الملائكة، والمراد من عدا الرؤساء الأربعة كحملة العرش وهم الآن أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة أخرى، وكالكروبـيـين بفتح الكاف وتخفيف الراء، وهم ملائكة حافون بالعرش طائفون به (وعلى آله) وهم المؤمنون ولو عصاة واعتقاد أهل السنة أن أمة محمد خير الأمم أجمعين (وصحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابـي، وهو من لقي النبـي بعد نبوّته في حال حياته ولو أعمى كابن أم مكتوم أو غير مميز، ومن ثم عدّوا محمد بن أبـي بكر رضي الله عنهما صحابـياً مع ولادته قبل وفاته بثلاثة أشهر وأيام، وعد بعض المحدّثين من رآه قبل النبوّة ومات قبلها على دين الحنيفية: كزيد بن عمرو بن نفيل صحابـياً (الفائزين برضا الله) تعالى، وخير الصحابة رؤوسهم الأربعة الذين تولوا الخلافة بعد النبـي ، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فأفضليتهم على ترتيب الخلافة، فأبو بكر مكث في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وعمر مكث في الخلافة عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وعثمان مكث في الخلافة إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة أيام، وعلي مكث في الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، ثم بعد هؤلاء الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم: طلحة، والزبـير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبـيدة عامر بن الجراح، ثم بعدهم أهل دار الخيزران غير من ذكر، وكلهم أربعون رجلاً كملوا بعمر بن الخطاب.
اسم الكتاب: نهاية الزين شرح قرة العين رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 3

وقد كان وأصحابه مستخفين في دار الخيزران، وفي ساعة إسلام عمر قال للنبـي : يا رسول الله لا يعبد الله بعد اليوم سراً، اخرج بنا إلى قريش إلا نخاف ونحن أربعون رجلاً، فخرجوا صفين يقدم أحدهما عمر، والآخر حمزة عم رسول الله ، وكان حمزة قد أسلم قبله بثلاثة أيام، ثم بعدهم أهل غزوة بدر، وهو مكان بـين مكة والمدينة، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب طالوت غزوا مع ألف من كفار قريش، ومات من الصحابة أربعة عشر رجلاً: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، ثم بعدهم في الفضيلة. أهل غزوة أحد، وهو اسم جبل قريب من المدينة، وهم سبعمائة غزوا مع ثلاثة آلاف من كفار مكة، ومات من الصحابة سبعون، ثم بعدهم في الفضيلة أهل الحديبـية، وهي بئر بقرب مكة على طريق جدّة، وهم الذين بايعوه بـيعة الرضوان، فهم ألف وأربعمائة، وخرج بهم من المدينة عام ستة من الهجرة لزيارة البـيت الحرام والاعتمار، ولم يكن معهم سلاح إلا السيوف، فنزلوا بأقصى الحديبـية فصدّهم المشركون عن دخول مكة، ودعا الناس عند الشجرة للبـيعة على الموت أو على أن لا يفروا بل يصبرون على الحرب فبايعوه على ذلك، فمشت الوسائط في الصلح.
تنبـيه: يندرج في إثبات الرسالة لسيدنا محمد مباحث علم الفقه وهي الأحكام الشرعية، ومباحث علم التوحيد وهي ثلاثة: إلهيات، ونبويات، وسمعيات. فالإلهيات هي: المسائل المبحوث فيها عما يجب لله تعالى، وما يستحيل عليه، وما يجوز في حقه. والنبويات هي: المسائل المبحوث فيها عما يجب للرسل وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم. والسمعيات هي: المسائل التي لا تتلقى إلا عن السمع ولا تعلم إلا من الوحي، وذلك كسؤال منكر ونكير لنا في القبر، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث للحشر والشفاعة، وكتب الأعمال، والحساب، والميزان والصراط، والجنة والنار، والإسراء والمعراج.
اسم الكتاب: نهاية الزين شرح قرة العين رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 3

وبعد: أي بعد ما تقدّم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر (فهذا) المؤلف الحاضر في الذهن لا في الخارج (مختصر) أي قليل اللفظ (في الفقه) أي لتحصيل الفقه، وهو لغة: الفهم، واصطلاحاً: ظنّ قوي بالأحكام الشرعية العملية مكتسب من أدلتها التفصيلية، بأن يقال اقيموا من قوله تعالى: {أقيموا الصلاة} أمر والأمر للوجوب، فقوله: أقيموا للوجوب. وموضوعه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام التكليفية والوضعية لها. ومأخذه من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والاستقراء والاقتران فإن هذه أدلة، ثم الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد كما استحسن إمامنا الشافعي التحليف على المصحف فإنه أبلغ في الزجر. وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب مناهيه المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية، وذلك كالبـيع والشراء وكالصلاة. وفضله أنه من أشرف العلوم وهو من علوم الدين الشرعية. ونسبته أنه فرع علم التوحيد، واسمه: علم الفقه وعلم الفروع. والواضع له إجمالاً الإمام أبو حنيفة النعمان بمعنى أنه أوّل مصنف فيه إلا باب التفليس والحجر والسبق والرمي، فأوّل مصنف فيه إمامنا الشافعي. وحكم الشارع في تعلمه الوجوب العيني فيما يتلبس به الشخص، والكفائي في غير ذلك. ومسائله قضاياه التي يبحث فيه عنها: كزكاة التجارة واجبة، والحلف بغير الله مكروه وزيارة القبور مستحبة، والأكل لا بقصد شيء مباح (على مذهب الإمام) المجتهد اجتهاداً مطلقاً أي على اختياره للأحكام (الشافعي) نسبة إلى شافع بن السائب، نسب هذا الإمام إليه لأنه صحابـي ابن صحابـي (رحمه الله تعالى) والمجتهد المطلق هو من يقدر على استنباط الأحكام من الأدلة، ومجتهد المذهب هو الذي يقدر على الاستنباط من قواعد إمامه: كالمزني والبويطي، ومجتهد الفتوى من يقدر على الترجيح لبعض أقوال إمامه على بعض: كالنووي والرافعي لا كالرملي وابن حجر لأنهما مقلدان فقط، ويجب على من لم يكن فيه أهلية الاجتهاد المطلق أن يقلد في الفروع واحداً من الأئمة الأربعة المشهورين، وهم: الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ( (21) الأنبـياء: الآية 7) فأوجب الله السؤال على من لم يعلم، ويلزم عليه الأخذ بقول العالم وذلك تقليد له، ولا يجوز تقليد غير هؤلاء الأربعة من باقي المجتهدين في الفروع، مثل الإمام سفيان الثوري، وسفيان بن عيـينة، وعبد الرحمن بن عمر الأوزاعي، ولا يجوز أيضاً تقليد واحد من أكابر الصحابة لأن مذاهبهم لم تضبط ولم تدوّن، وأما من فيه أهلية الاجتهاد المطلق فإنه يحرم عليه التقليد، ويجب على من لم يكن فيه الأهلية أن يقلد في الأصول: أي العقائد للإمام أبـي الحسن الأشعري أو الإمام أبـي منصور الماتريدي، لكن إيمان المقلد مختلف فيه بالنسبة إلى أحكام الآخرة، أما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفيه الإقرار فقط، والأصح أن المقلد مؤمن عاص إن قدر على النظر، وغير عاص إن لم يقدر، ثم إن جزم بقول الغير جزماً قوياً بحيث لو رجع المقلد بالفتح لم يرجع هو كفاه في الإيمان، لكنه عاص بترك النظر إن كان فيه أهلية النظر. وإن لم يجزم بقول الغير جزماً قوياً بأن كان جازماً، لكن لو رجع المقلد بالفتح لرجع هو لم يكفه في الإيمان، ويجب على من ذكر أن يقلد في علم التصوّف إماماً من أئمة التصوّف كالجنيد، وهو الإمام سعيد بن محمد أبو القاسم الجنيد سيد الصوفية علماً وعملاً رضي الله عنه. والحاصل أن الإمام الشافعي ونحوه هداة الأمّة في الفروع، والإمام الأشعري، ونحوه هداة الأمّة في الأصول، والجنيد ونحوه هداة الأمّة في التصوّف، فجزاهم الله خيراً، ونفعنا بهم آمين.
(
اسم الكتاب: نهاية الزين شرح قرة العين رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 3

وسميته) أي هذا المختصر (بقرة العين بمهمات الدين، راجياً) أي مؤمّلاً (من الرحمن) أي كثير الرحمة جدّا (أن ينتفع به) أي بهذا المختصر (الأذكياء) أي سراع الفهم (وأن تقر) أي تفرح (به) أي بسبب هذا المختصر (عيني غداً) أي في الجنة (بالنظر إلى وجهه الكريم بكرة وعشياً) ويجب اعتقاد أنه تعالى يرى بالأبصار في الآخرة للمؤمنين بلا تكيف للمرئي بكيفية من كيفيات الحوادث من مقابلة وجهة وتحيز وغير ذلك، ومحل الرؤية الجنة بلا خلاف، فيراه تعالى أهلها في مثل يوم الجمعة والعيد، ويراه تعالى خواصهم كل يوم بكرة وعشياً. قال أبو زيد البسطامي: إن لله خواص من عباده لو حجبهم عن الجنة عن رؤيته تعالى ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها.
اسم الكتاب: نهاية الزين شرح قرة العين رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 3

Incoming search terms: