Kitab at-Tibyan fi al-Nahyi – KH Hasyim Asy’arie

التبيان
في النهي عن مقاطعة الأرحام والأقارب والإخوان

تحرير الفقير إليه تعالى
محمد هاشم أشعرى الجومباني
عفا الله عنه وعن والديه
ومشايخه وجميع
المسلمين
آمين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى جعل صلة الأرحام من أفضل القربات وقطيعتها من أقبح الذنوب وأفحش السيئآت، جاءت بذلك الآيات البينات، ووردت به الأحاديث الصحيحات عن صاحب الشرع عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى آله وصحبه السادة الأعلام.
أما الآية فقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام} أي اتقوا قطيعتها {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، فإنك إذا علمت أن الله رقيب على أعمالك حافظ لها مجاز عليها رجعت إليه وامتثلت أمره وكنت على غاية الخوف من أليم عقابه وعظيم حجابه واحتفظت على صلة أرحامك وخفت من مقاطعتهم، وقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}، فمن عنده أدنى يقظة وفهم وتدبر يرجع عن قطيعة الرحم بأدنى مما دلت عليه أية من هذه الآيات الثلاث، ولو فتحت عين بصيرتك وظهرت من النقائص سريرتك لفهمت من هذه الآيات ما يحملك على إفراغ كل وسعك في صلة الأرحام ما أمكنك، وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ. الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُوْن}.
وعن محمد الباقر رضي الله عنه أن أباه عليا زين العابدين رضي الله عنه قال: {لا تُصَاحِبْ قَاطِعَ رَحِمٍ لأَنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعُوْنًا فِيْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فِيْ ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ}، وذكر الآيات السابقة، آية سورة القتال واللعن فيها صريح، وأية الرعد واللعن فيها بطريق العموم لأن ما أمر الله به أن يوصل يشمل الأرحام وغيرها، وأية البقرة واللعن فيها بطريق الإستلزام إذ هو من لوازم الخسران.
وأما الأحاديث فأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إِنّ اللّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ. حَتّىَ إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ. أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَىَ. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ }.
وصح قوله صلى الله عليه وسلم: {مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ مِنْ أَنْ يُعَجّلَ الله لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ في الدّنْيَا مَعَ مَا يَدّخِرُ لَهُ في الاَخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرّحِمِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّ أَعْجَلَ الطَاعَةِ ثَوَابًا لَصِلَةُ الرَحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ البَيْتِ لَيَكُوْنُوْا فَجَرَةً فَتَنْمُوْ أَمْوَالُهُمْ وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوْا، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَتَوَاصَلُوْنَ فَيَحْتَاجُوْنَ، وإنَّ أَعْمَالَ بَنِى آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيْسٍ وَلَيْلَةِ جُمْعَةٍ، فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ}.
وصح {ثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُوْنَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: {الرَحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُوْلُ: مَنْ وَصَلَنِيْ وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِيْ قَطَعَهُ اللهُ}.
وصح قوله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله تعالى أَنَا الرّحْمَنُ خَلَقْتُ الرّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسماً مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطعْتُهُ}
وقال صلى الله عليه وسلم: {أَرْبَى الرِّبَا الإِسْتِطَالَةُ فِيْ عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنَّ هَذِهِ الرَحِمَ لَشِجْنَةٌ مِنَ الرَحْمَنِ} يعنى قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، وفيها لغتان كسر الشين وضمها مع إسكان الجيم {تَقُوْلُ: يَارَبِّ إِنِّيْ قطعت، يا رب إني أسيء إلي، يا رب فيجيبها، ألا ترضين أن أصل من وصلك ؟ وأقطع من قطعك؟}.
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنَّ مِن أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن عز وجل، فمن قطعها حرم الله عليه الجنة}. رواه أحمد والبزار.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه أنه قال: {الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصي واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا}.
وعن رجل من خثعم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه، فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله ؟ قال: “نعم”. قال: قلت: “يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟”، قال: “الإيمان بالله”. قال: قلت: “يا رسول الله، ثم مه ؟”، قال: “ثم صلة الرحم”. قال: قلت: “يا رسول الله، ثم مه ؟”، “ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. قال: قلت: “يا رسول الله، أي الأعمال أبغض إلى الله ؟”، قال: “الإشراك بالله”. قال: قلت: “يا رسول الله ثم مه ؟” قال: “ثم قطعية الرحم”. “. قال: قلت: “يا رسول الله ثم مه ؟” قال: “ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف”. رواه أبو يعلى بإسناد جيد.
وعن أبي أيوب رضي الله عنه: {أَنّ أَعْرَابِيا عَرَضَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْ يَا مُحَمّدُ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرّبُنِي مِنَ الْجَنّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النّارِ. قَالَ فَكَفّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ثُمّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمّ قَالَ: “لَقَدْ وُفّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ” قَالَ: “كَيْفَ قُلْتَ؟” قَالَ فَأَعَادَ. فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: “تَعْبُدُ الله لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئا، وَتُقِيمُ الصّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزّكَاةَ، وَتَصِلُ الرّحِمَ، دَعِ النّاقَةَ}. وفي رواية: {وَتَصِلُ ذَا رَحِمَكَ. وَلَمّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم “إِنْ تَمَسّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ”}. رواه الشيخان واللفظ لمسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما ينظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال بصلتهم أرحامهم} رواه الطبراني
(تنبيه) المراد بالرحم التي تجب ما كان هناك محرمية، وهما كل شخصين لوكان أحدهما ذكرا والأخرى أنثى لم يتناكحا، كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا ن والأعمام والعمات ةالأخوال والخالات. فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهما واجبة، كجواز المناكحة بينهما إهـ تهذيب الفروق.
وعن عائشة رضي الله عنها: {أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: “إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار”}. رواه أحمد
وروي عن درة بنت أبي لهب رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله من خير الناس ؟ قال: {أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر}. رواه أبو الشيخ.
وعن أنس رضي الله عنه قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَقَاطَعُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ}. البخاري وأبو داود والنسائي ومسلم والطبراني، وزاد فيه {يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَم، يَسْبِقُ إِلَى الجَنَّةِ}. قال مالك: “لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن المسلم، يدبر عنه بوجهه”.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النّارَ}. رواه أبو داود، وفي رواية لأبي داود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لاَيَحِلّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرُ مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلاَثٍ، فإِنْ مَرّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ، فإِنْ رَدّ عَلَيْهِ السّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا في الأجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بالأثْمِ. وَخَرَجَ المُسَلّمُ مِنَ الْهِجْرَة}.
(تنبيه) المراد بالهجرة أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام لغير غرض شرعي، وبالتدابر الإعراض عن المسلم، بأن يلقاه فيعرض عنه بوجهه، وبالتشاحن تغير القلوب المؤدي إلى أحد ذينك. أفاده العلامة ابن حجر في الزواجر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحِلّ الهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَرَدَّ الآخَرُ اشْتَرَكاَ فِيْ الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ بَرِئَ هَذَا مِنَ الإِثْمِ وَبَاءَ بِهِ الآخَر}، وأحسبه قال: {وَإِنْ مَاتَا وَهُمَا مُتًهَاجِرَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِيْ الجَنَّةِ}. رواه الطبراني في الأوسط.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا بسند جيد: {لاَ يَتَهَاجَرُ الرَجُلاَنِ قَدْ دَخَلاَ فِيْ الإِسْلاَمِ، إلاَّ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَاخَرَجَ مِنْهُ. وَرُجُوْعُهُ أَنْ يَأتِيَهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ}.
وروى البزار بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: {لو أن رجلين دخلا في الإسلام فاهتجرا لكان أحدهما خارجا من الإسلام حتى يرجع} يعنى الظالم منهما.
(فائدة) قال العلامة ابن حجر رحمه الله في الزواجر: “الأشبه أن هجر المسلم فوق ثلاثة أيام كبيرة لما فيه من التقاطع والإيذاء والفساد. ويستثنى من تحريم الهجر مسائل ذكرها الأئمة، وحاصلها أنه متى عاد إلى صلاح دين الهاجر والمهجور جاز، وإلاّ فلا” إهـ. قلت وقد رأيت بعيني أن الهجر الواقع بيننا في هذا الزمان لايعود إلى صلاح دين الهاجر ولا المهجور ولا إلى دنياهما، بل يعود إلى فسادهما كما لا يخفى على المتأمل المنصف فهو من الكبائر لما فيه من فساد الدين والدنيا والتحاسد والتباغض. والله أعلم.
(فرع) إذا جرينا على قول صاحب العدة أن هجر المسلم فوق ثلاث صغيرة وأصرّ على ذلك كان بمثابة ارتكاب الكبيرة. وحد الإصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكرراً يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك فترد بذلك شهادته وروايته. وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر أصغر الكبائر. أفاده الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في قواعد الأحكام. وإذا جرينا على القول بأن الهجر المذكور كبيرة فيفسق بذلك ولو بدون إصرار وتسقط عدالته وولايته لموليته وتردّ شهادته وروايته. فتأمل ذلك فإنه مهم جدا، وقد يغفل عنه الخاص فضلا عن العوام.
وعن الأعمش قال: كان ابن مسعود جالساً بعد الصبح في حلقة، فقال: {أُنشد الله قاطع رحم لما قام عنا فإنا نريد أن ندعو ربنا وإن أبواب السماء مرتجة مغلقة دون قاطع رحم}. رواه الطبراني
وروي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {لا يجالسنا اليوم قاطع رحم} فقام فتى من الحلقة فأتى خالة له، وقد كان بينهما بعض الشيء فاستغفر لها واستغفرت له، ثم عاد إلى المجلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم} رواه الأصبهاني
(نكتة) المراد بقطع الرحم المحرم قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان، سواء كان الإحسان الذي ألفه منه قريبه مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أوغير ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر شرعي كبيرة، لأن ذلك يؤدى إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذيها، ويصدق عليه حينئذ أنه قطع وصلة رحمه. أفاده العلامة ابن حجر في الزواجر فتأمل وفقك الله لطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم أن شؤم القطيعة تجاوز فاعلها إلى جلسائه وقومه تمنعهم عن شمول الرحمة لهم كما منعت من شمولها له فإذا كان هذا شؤمها في القوم المجالسين لقاطع فما بالك بالقاطعة نفسه فتيقظ لنفسك فإن أمر القطيعة خطير أي خطير واسأل الله تعالى أن يوفقك لصلتها وإن كان في قلبك ما كان فإنه على كل شيىء قدير وبالإجابة جدير.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ثلاث لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان} رواه ابن ماجه وابن حبان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: {تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَ الخَمِيْسِ، وَيُغْفَرُ لِكُلّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً إِلاّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيْهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّى يَصْطَلِحَا}. رواه مسلم.
قال أبو داود: إذا كان الهجرة لله فليس من هذا بشيئ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هجر بعض نسائه أربعين يوما، وابن عمر رضي الله عنهما هجر ابنا له إلى أن مات.
(قلت) وأنا الفقير إليه تعالى محمد هاشم أشعري عفا الله عنه وعن والديه وعن جميع المسلمين أما كون الهجرة لله تعالى بالنسبة إلى حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فمسلّم ومقبول، وكذلك بالنسبة إلى سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وأما بالنسبة إلى أمثالنا فيحتاج إلى دقة نظر وإعمال فكر، فقد رأيت بعيني أن واحدا من أهل العلم كان له اجتهاد في العبادة، يقوم الليل ويصوم النهار ولا يتكلم إلا بقدر الضرورة ويحج البيت مرارا حتى حصلت له مشيخة الطريقة النقشبندية. وكان في بعض أيامه يعتزل عن الناس في بيت من منزله فلا يخرج إلا لصلاة الجماعة وتعليم الناس كيفية الذكر. ويوما من الأيام يخرج لصلاة الجمعة فلما وصل إلى المسجد غضب على الحاضرين في المسجد ويتكلم عليهم بكلام فاحش ثم يرجع فورا إلى منزله. ويوما من الأيام أتاه في منزله وزير البلد يطلب منه الدعاء ليكون رخينا، وأعطاه شيئا من الدراهم فقبله ودعا له وقابله بلطف وانشراح. وبعد أيام أتيته في منزله وقمت أمام بيته زمنا طويلا وناديته مرارا فلم يجبني حتى جاءت امرأته وراء الباب وقالت إن أخاك لا يرضى أن يخرج من محله لأحد، فقلت لها أخبريه أن أخاك محمد هاشم أشعري يريد أن يقابله فليخرج، وإلاّ سأدخل عليه وأخرجه قهرا، ثم أخبرته فخرج وقابلني فقلت له يا أخي بلغني أنك تفعل كذا وكذا، فلما حملك على ذلك ؟. فقال إني رأيت الناس على غير صورتهم، رأيتهم مثل القردة. فقلت له لعل الشيطان سحر عينك ووسوس في قلبك وقال ألزم بيتك ولا تخرجمنه ليعتقد الناس أنك من أولياء الله فيقصدونك للزيارة والتبرك ويهدون إليك هدايا كثيرة فتأمل يا أخي بإنصاف، فقد قال رسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: {وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا}. وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ}. ثم بعد أيام جاءني ذلك الشيخ في بيتي، وقال صدقت يا أخي، الآن تركت عزلتي وفعلت مثل ما يشغل الناس، فكان كذلك إلى أن توفي ذلك الشيخ رحمه الله تعالى.
ومن المعلوم أنه قد وقع الإختلاف في الفروع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحدا ولا عادى أحد أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور. وكذلك وقع الإختلاف في الفروع بين الإمام أبي حنيفة والإمام مالك رضي الله عنهما في مسائل كثيرة يبلغ عددها أربعة عشر آلاف تقريبا في أبواب العبادة والمعاملة، وبين الإمام الشافعي وأستاذه الإمام مالك رضي اللع عنهما في مسائل كثيرة يبلغ عددها ستة آلاف تقريبا. وكذلك بين الإمام أحمد بن حنبل وأستاذه الإمام الشافعي رضب الله عنهما في مسائل كثيرة كذلك، فما عادى أحد منهم أحدا ولا شنع أحد منهم أحدا ولا حقد أحد منهم أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور، بل لا يزالون يتحابون ويتصافون لإخوانهم ويدعو كل واحد لهم بكل خير. وذكر أن الإمام الشافعي لما زار قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما وأقام فيه نحو سبعة أيام يقرأ فيه القرآن العظيم وكلما ختم ختمة أهدى ثوابه إلى الإمام أبي حنيفة، وأن الإمام الشافعي لا يقنت في صلاة الصبح مدة إقامته في قبة الإمام أبي حنيفة، لا يقول يندب القنوت في صلاة الصبح فتركته تأدّبا معه. وكذلك وقع الإختلاف بين شيخي المذهب الرافعي والنووي رضي الله عنهما في مسائل كثيرة. وكذلك وقع الإختلاف بين الإمام العلامة أحمد بن حجر والإمام العلامة الرملي وأتباعهما، فما خاصم أحد منهم أحدا ولا عادى أحد منهم أحدا ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ، بل كانوا متحابين متآخين متصافين.
إذا علمت ذلك فهمت أن ما وقع بيننا من المخاصمة والمعاداة والمقاطعة بسبب اختلاف في مسألة أو مسائل قليلة من تسويل الشيطان والمباهاة والمفاخرة بين الإخوان ومتابعة الهوى. وقد قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَاذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ في غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرءِ عَلَى الْمَالِ وَالشّرَفِ لِدِيِنِه} رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وقال الترمذي حسن صحيح. وفي رواية جابر رضي الله عنه: {مَاذِئْبَانِ ضَارِيَانِ يَأْتِيَانِ فِيْ غَنَمٍ غَابَ رُعَاؤُهَا بِأَفْسَدَ لِلنَّاسِ مِنْ حُبِّ الشَرَفِ وَالمَالِ لِدِيْنِ المُؤْمِنِ}. وقال الشاعر:
إِذَا أَنْتَ تَابَعْتَ الْهَوَى قَادَكَ الهَوَىْ >< إِلَى كُلِّ مَا فِيْهِ عَلَيْكَ مَقَالُ فنحن نرجو من إخواننا المسلمين والعلماء المتقين أن يتبعوا الصحابة والأئمة والعلماء العاملين الصالحين رضي الله عنهم وعنّا بهم في ذلك. وهذا آخر التبيان وفقنا الله وإياكم لما يرضيه عنا وغفر كل سيئة صدرت منا وكلانا بحغظه ورعايته أينما كنا. إنه جواد كريم رؤوف رحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول مؤلفه عفا الله عنه وعن والديه وعن مشايخه وجميع المسلمين. فرغت من تأليفه يوم الإثنين العشرين من شهر شوال منشهور سنة الستين بعد الألف وثلاثمائة من الهجرة على صاحبها أفضل صلوات وأتم تسليمات في منزلي تيبوإيرع جومباع صانه الله عن الشر والفساد. دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

Download naskah tulis ulangnya (klik kanan, save as) al-Tibyan fi al-Nahyi al-Muqathi’at al-Arham – Hadratus Syech KH Hasyim Asy’ari

4 thoughts on “Kitab at-Tibyan fi al-Nahyi – KH Hasyim Asy’arie

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: